إن يوم القيامة مذكور في الكتب السماوية المقدسة ولربما اختلفت الأفكار في أوصافه وفى بعض الخصوصيات والتفاصيل إلا أن ما يتفق عليه الجميع إنه يوم هائل وعظيم وأنه يوم لا ريب فيه وهو محتوم الوقوع .. ولكن ماذا سيحدث في هذا اليوم? فإذا رجعنا إلى الكتب المقدسة وقرأنا الآية والنصوص الإلهية في محاولة دراسة وفهم هذا الموضوع ” يوم القيامة ” سوف نجد أن بعض الآيات تحدثنا عن يوم أهوال وويلات كما جاء في القرآن الكريم {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا } آية (2:1) سورة الزلزلة وكذلك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } آية (2:1) سورة الحـج.وكما جاء في الإنجيل في سفر متى إصحاح 24 (… وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءا والنجوم تتساقط من السماء ….) ما جاء في التوراة في سفر التثنية إصحاح 28 بتغيير السماء والأرض والتبشير بقرب مجئ الرب حيث يقول (… وتكون سماؤك إلى فوق رأسك نحاسا والأرض التي تحتك حديدا ويجعل الرب مطر أرضك غبارا وتربا ينزل عليك من السماء حتى تهلك ….) وجاء أيضا فى سفر يوئيل النبي إصحاح 2 عدد (10) يقول (…. قدامه ترتعد الأرض وترتجف السماء والشمس والقمر تظلمان والنجوم تحجز لمعنها يتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دوم قبل مجئ يوم الرب المخوف ….) .ومع ذلك نجد بعض الآيات والنصوص تحدثنا عن يوم يفيض بالرحمة وتشرق بالبشارة الكبرى وتغرّد على أفنانها ورقاء السماء بأناشيد البهجة والمصير المشرق . فنقرأ في سورة النبأ آية (38 ){يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} وجاء أيضا في سورة الزمر آية (69){وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } كما جاء فى سورة البقرة آية (210) {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ وجاء أيضا في رؤيا يوحنا إصحاح (3) عدد 13 يقول سفر اشعيا (…. تفرح البرية والأرض اليابسة ويبتهج القفر يدفع إليه مجد لبنان بهاء كرمل…. هم يرون مجد الرب بهاء إلهنا…. وهو يأتي ويخلصكم…) هذا وصف ليوم القيامة من الكتب المقدسة فإذا نظرنا إلى الآيات بنظرة سطحية أو مادية فإننا قد نفهم أن الأرض والجبال تندك والسماء و النجوم تتساقط فإذا قصرنا فهمنا على مدلول ألفاظ هذه الآيات ومعانيها الظاهرة انتهينا إلى نتائج لا يقبلها العقل، فالانقلابات الكليّة المذكورة لو حدثت لن تترك فرصة لإنسان حتى يفرّ من أخيه وأمّه وأبيه، ولا للمرضع لتذهل عمّا أرضعت، ولا للإنسان أن يكون سكراناً وما هو بسكران . وهناك صورة أخرى يعرضها القرآن الكريم عن القيامة والساعة تعتبر بحقّ مفتاحاً لما أغلق فهمه على الأذهان، وتعين المتأمل فيها على إدراك معان أبعد وأعمق مما يقول به القانع بظاهر لفظها، وهي بذاتها تكفي للإقناع بأن معانيها – ما لم تؤخذ على المجاز – لا سبيل إلى فهمها إلاّ بقدر ما يفقه الطفل من أسرار الحياة.يقول الله تعالى في سورة يوسف آية (107) {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} وفى سورة مريم آية (39) {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وفى سورة العنكبوت آية (25) {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}.والسؤال كيف يمكن أن يحدث في يوم القيامة انشقاق السماء، وتكور الشمس، وسقوط النجوم، مع غفلة الناس عن وقوعها وعدم شعورهم بهذه الأحداث المهولة؟وهل من المعقول أن يُكَفِّرَ الناس بعضهم البعض ويلعن بعضهم بعضا بينما الأرض تتزلزل وأحداث الساعة تهزّ كل ذرّة من ذرّات وجودهم؟ وهل يمكن أن يوجد مجال – وسط تلك الأحداث الهائلة – لاستمرار السب واللعن؟ فلا مناص إذاً من حمل هذه الألفاظ على معان معنوية وروحانية تسمح بوقوع الزلزلة والرّجفة والناس عنها في غفلة وعلى غير علم . إذا ماذا يحدث يوم القيامة :- فإذا كانت لهذه الآيات والنصوص معاني معنوية وروحانية فما المقصود منها وكيف نصدق ونتأكد أن هذا هو المقصود منها أو على أقل تقدر معنى من معانيها الصحيحة ؟ هذا يتم بالرجوع إلى الكتب السماوية المقدسة وقراءت ما حدث في الماضى للأقوام السابقة وهذا سيدلنا على المعانى ويأكد صحة هذه التوضيح لمعانى يوم القيامة وعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ في القرآن الكريم سورة الروم آية (56:55) {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} إذا من علامات القيامة البعث ولكن ما معنى البعث ؟ وهل حدث في الماضى ؟ نقرأ في القرآن الكريم {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة البقرة آية (56:55) إذا بنى إسرائيل بعثوا في الماضى كما تشير سورة البقرة . والسؤال هنا هو هل كان موت ” البعث “ الإسرائيليين في هذه الآية موت جسماني أم موت روحاني؟ نقول: “وأي هو الأهم أجسادنا أم أرواحنا؟من علامات القيامة وما سيحدث فيها قوله تعالى في سورة ق آية (42:41) {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} إذا سوف تحدث صيحة في يوم القيامة وكذلك يناد المنادى أي الرسول . فهل حدثت هذه الصيحة في الماضى ؟ استمع إلى قوله تعالى في سورة هود آية (67) {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } وهذه الصيحة كانت من سيدنا صالح عليه السلام لقومه للإيمان به أم المنادى أو الرسول فيقول الله تعالى في سورة آل عمران آية (193) {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} والمقصود بالمنادى في هذه الآية هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما نادى بين قومه للإيمان به. إذا فالبعث والمنادى والصيحة من علامات يوم القيامة وأيضا حدثوا في الماضى وهذا قليل من الكثير .فلو نظرنا إلى الحشر وهو أيضا فأنه يحدث يوم القيام لقوله تعالى في سورة مريم آية (85) {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} وفى سورة طه آية (125:124) {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}.فهل حدث ذلك في الماضى ؟ نعم لقوله تعالى في سورة الحشر آية (2) {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} وجاء في سورة النمل آية (17) {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} . إذا مما سبق نعلم أن يوم القيامة أو اليوم الآخر أو الواقعة أو الحاقة أو يوم الحشر أو يوم النشور أو يوم لقاء الله أو النبأ العظيم . له معانى روحية ومعنوية وليست بالصورة الحرفية الظاهرية التى يتصورها البعض .
وبعد هذا التوضيح نشكر الله العلى الأعلى على هذه النعم التى أنعمها علينا دون غيرنا من الذين سبقونا حيث كانت كل هذه الآيات والنصوص مختومة ومغلقة المعانى وبظهور حضرة بهاء الله فتح لنا كل ما هو مختوم من معانى الكلمات .